الرئيسية / اقلام حرة / التنافس الفرنسي الإيطالي على ليبيا.. صراع الكبار في أرض عصية

التنافس الفرنسي الإيطالي على ليبيا.. صراع الكبار في أرض عصية

libyarally

محمد عمران كشادة – صوت العرب 

لقد وهبت الجغرافيا لليبيا موقع استراتيجي يجعلها دائما عرضة للتنافس بين  الدول الاستعمارية الكبرى ، انها بوابة افريقيا بلا منازع ، والطريق الأقرب من سواحل البحر المتوسط إلى أعماق القارة البكر ،

هكذا يقول التاريخ  ، والواقع الآن يؤكد ذلك  ،  هناك تنافس شديد على النفوذ في ليبيا بين فرنسا وايطاليا ، ولم يعد الأمر مجرد تكهنات بل تؤكده الحقائق على الأرض  ،

ويبدو بأن مؤتمر باريس المنعقد في يوليو عام 2017م   كان القشة التي قسمت ظهر البعير ، وجعلت  الإيطاليون  يخرجون عن صمتهم ، إنهم يعرفون  نوايا وخفايا سياسات فرنسا في ليبيا التي يعتبرونها مستعمرة تاريخية لهم هم وحدهم الحق في تقرير مصيرها ، إنها نفس مقررات مؤتمر الصلح في باريس ومؤتمر سان ريمو واتفاقية سايكس بيكو لا تزال تفرض نفسها في منطقتنا العربية رغم مرور عشرات الأعوام من تلك المآسي التي ابتلي بها العرب ،

انعقد مؤتمر باريس  ونجح  ماكرون في ترتيب اجتماع  بين حفتر والسراج ، ولم يخفي الإيطاليون انزعاجهم  من تنامي الدور الفرنسي في الأزمة الليبية ، هم يرون أنه سيكون على حساب مصالح إيطاليا ، حيث نشرت وكالة رويترز العالمية للأنباء  صباح  يوم  الثلاثاء 25 يوليو عام 2017م    تقريراً  عن  اللقاء المزمع عقده في باريس بين  حفتر  والسراج  ،  وقالت الوكالة في تقريرها : (  إن مبادرة الدبلوماسية الفرنسية التي تستهدف حل الأزمة الليبية المستمرة منذ فترة طويلة أغضبت المسؤولين الإيطاليين  ،  إذ يرونها مثالا آخر على تجاهل الرئيس الفرنسي المنتخب حديثا إيمانويل ماكرون لإيطاليا )  ، ونقلت رويترز أيضا عن دبلوماسي في وزارة الخارجية الإيطالية  قوله : (ماكرون يريد أن يكون له دور أكبر كثيراً في ليبيا ،  لا بأس بذلك لكنه نحّانا جانباً ، لم نُستشر وثمة غضب كبير جراء ذلك ) ،

في 2 أغسطس عام 2017م وبعد انعقاد مؤتمر باريس ،  وافق البرلمان الإيطالي على إرسال سفن حربية إلى السواحل الليبية لمساعدة خفر السواحل الليبي في مكافحة الهجرة غير الشرعية ، هذا هو الهدف المعلن ، ولكن للحقيقة وجه آخر ، إنها رسالة واضحة لفرنسا التي تريد أن تهيمن على  ثروات ليبيا من النفط والغاز  ، وبالتالي تهديد أمن ومصالح إيطاليا التي تعتمد على النفط الليبي في توفير 35% من احتياجاتها ،  بينما تعتمد على الغاز  الليبي في توفير 20% من احتياجاتها ، إنه صراع النفوذ والاقتصاد والمال والنفط والشركات الكبرى العابرة للحدود والقارات ، صراع من أجل الهيمنة على مناطق الثروة وسيحدد من هم الأقوياء في عالم القرن الواحد والعشرين ،

خرائط الجغرافيا هي أيضا  تؤكد حقيقة التنافس الايطالي الفرنسي ،  تقول خرائط الجغرافيا : بأنه في تلك المنطقة من جنوب ليبيا وعند حدودنا مع تشاد والنيجر ثمة حراك يؤكد بأنه هناك تنافس وصراع خفي  بين فرنسا وإيطاليا على النفوذ في ليبيا ، وهو صراع  اخذ أبعاداً  اكبر من مجرد التصريحات التي يطلقها المسؤولون الإيطاليون  وهم مستاؤون مما تفعله فرنسا في ليبيا ،

ففي يوم الاثنين 28 أغسطس عام 2017م  عقد  قادة سبع دول أفريقية وأوروبية في باريس قمة مصغرة لبحث أزمة الهجرة غير الشرعية وبدعوة من الرئيس الفرنسي ماكرون ، بهدف تنسيق المواقف حيال هذه الظاهرة التي تنهك اقتصاد القارة العجوز  ، ودعا الرئيس الفرنسي رؤساء كل من تشاد والنيجر وحكومة الوفاق الليبية والمستشارة الألمانية ميركل ورئيس الحكومة الإيطالية باولو جينتيلوني ورئيس الحكومة الإسبانية ماراينو راخوي وفدريكا موغريني منسقة الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي ،

في المقابل نجد  اجتماع آخر مهم ، يوم الاثنين 28 أغسطس عام 2017م  عقد  اجتماع خماسي في روما ضم وزراء داخلية كل من إيطاليا وليبيا وتشاد والنيجر ومالي ، وتم الاتفاق على تشكيل غرفة أمنية مشتركة للتنسيق والتعاون من أجل التصدي  أفواج المهاجرين غير الشرعيين عبر حدود ليبيا الجنوبية وإقامة مراكز إيوائهم في تشاد والنيجر  ،

لا يمكن أن نجد تفسيرا لما يجري من حراك واجتماعات وغرف أمنية تشكل من باب التعاون فقط ، ورغبة الدول الأوروبية في تنسيق مواقفها تجاه القضايا الملحة والتحديات الأمنية التي مصدرها  منطقتنا وما تحمله من تهديدات لأمن أوروبا ،

إنها بلا شك إرهاصات صراع وتنافس على النفوذ بين الدول الاستعمارية ، ومما يؤكد أيضا التنافس  الشديد بين ايطاليا وفرنسا على النفوذ في ليبيا نجد  الإيطاليون وهم  يلحون باستمرار خاصة في الآونة الأخيرة على حصر المبادرات الرامية لحل الأزمة الليبية في يد البعثة الأممية دون غيرها  ،

مؤكد بأن الإيطاليون هم أيضا  قد أغضبوا فرنسا  عندما احتضنوا مؤتمرا للمصالحة  بين قبيلتي  التبو وأولاد سليمان  في  روما في مارس عام 2017م ، لقد تجاهلوا أهمية فزان بالنسبة لفرنسا ،  بل إن الإيطاليون قد ذهبوا لأبعد من ذلك حين وقعوا اتفاقية  مع النيجر في أبريل عام 2017م  للحد من ظاهرة  الهجرة غير الشرعية ، وقد رصدوا لها حوالي 50 مليون يورو ، إنهم يتحركون في منطقة لا تريد فرنسا أن ينافسها فيها أحد ،

أفريقيا الوسطى ومنطقة الساحل الأفريقي حيث أعادت فرنسا نشر قواتها منذ تدخلها في شمال مالي في يناير  عام2013م ، وفي أفريقيا الوسطى في ديسمبر عام 2013م ،  إنها  بلا شك مناطق  نفوذ فرنسي بامتياز ، والايطاليون قد اقتربوا من الخطوط الحمراء وهددوا نفوذ ومصالح فرنسا ،

اليوم يعود الصراع والتنافس الاستعماري على النفوذ في ليبيا كما كان في القرن التاسع عشر ، مع دخول لاعبين جدد لحلبة الصراع الدولي والإقليمي على ليبيا الغارقة في الحرب ، التي تمزقها الصراعات ،  ونريد من أشقائنا العرب أن يفهموا هذه الحقائق لأن إطالة أمد الصراع في ليبيا سيعطي الفرصة للدول الاستعمارية الكبرى  لفرض نفوذها وتحقيق أجندتها ، وقد يؤدي ذلك إلى تفتيت كيان الدولة الليبية وتقسيمها وإحياء مشروع بيفن سفورزا الذي فشل في عام 1949م ،

لقد تم تقسيم السودان في عام 2011م ، والان تظهر بوضوح  إرهاصات تقسيم العراق وسوريا ، أن المنطقة العربية تعيش المخاض العسير والفوضى الخلاقة التي قد تمهد لمولد مشروع  الشرق الاوسط الجديد كما يريده الأمريكيون وصنيعتها إسرائيل ،

ورغم أننا اليوم في ليبيا نواجه هجمة شرسة ، و دفعنا فاتورة باهظة من دمائنا ،  وتم تدويل القضية الليبية  واصبحت الحلول تفرض علينا من وراء حدودنا ، الا اننا على ثقة بان  المستقبل سيثبت للايطاليين والفرنسيين وكل الطامعين في نهب ثروات  ليبيا  بان الأرض عصية ولن تظل رهينة لعبثهم وأطماعهم .

 

شاهد أيضاً

ادري

الجنوب بعد سنتين من توقيع الإتفاق السياسي إلى أين ؟

من الصعب أن نتكلم عن الجنوب بشكل منفصل عن الشمالين الغربي و الشرقي , ذلك ...

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>